الموسوعه المصريه

الاقتصاد المصري في عهد جمال عبد الناصر: التأميم والاشتراكية (1952 – 1970)

أعلن عبد الناصر الاشتراكية نهجاً اقتصادياً لمصر، وأمّم قناة السويس والبنوك والشركات الكبرى، وأطلق مشاريع التصنيع والسد العالي. يستعرض المقال منجزات هذه الحقبة وإشكالياتها الاقتصادية.

تاريخ النشر: 7 مارس 2026 عدد المشاهدات: 0 الاقتصاد

الاقتصاد المصري في عهد جمال عبد الناصر: التأميم والاشتراكية (1952 – 1970)

ثورة يوليو 1952 وبداية التحول

في الثالث والعشرين من يوليو 1952م، أطاح ضباط الجيش المصري بالملك فاروق وأنهوا الملكية عام 1953م. كان الوضع الاقتصادي قبيل الثورة يتسم باختلالات هيكلية حادة: نحو 0.4% من ملاك الأراضي يسيطرون على 35% من الأراضي الزراعية، وبطالة واسعة، ومستويات معيشية متدنية للغالبية العظمى من المصريين.

الإصلاح الزراعي: إعادة توزيع الأرض

كان قانون الإصلاح الزراعي (سبتمبر 1952م) أول قرار اقتصادي كبير للثورة، إذ حدّد الحد الأقصى للملكية الزراعية بـ 200 فدان للفرد (خُفِّض لاحقاً إلى 100 فدان عام 1961م، ثم 50 فداناً عام 1969م). وقد أعادت الدولة توزيع نحو 800,000 فدان من الأراضي المستولى عليها على ما يزيد على 300,000 أسرة ريفية.

النتائج:

  • أسهم الإصلاح في تحسين دخل الفلاحين الصغار وتقليص نفوذ الإقطاع.
  • غير أن متوسط الحيازة الزراعية ظلّ صغيراً جداً دون أن يُرفق بتمويل كافٍ أو تكنولوجيا زراعية، مما حدّ من قفزة الإنتاجية المتوقعة.

تأميم قناة السويس (1956م)

في الثامن والعشرين من يوليو 1956م، أعلن عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس في خطاب تاريخي، مسوّغاً ذلك بأن عائدات القناة ستموّل بناء السد العالي بعد أن سحبت الولايات المتحدة والبنك الدولي عرضهما بتمويله. كانت القناة تجني نحو 100 مليون دولار سنوياً، وكانت الأسهم قبل التأميم تعود 44% منها لمصر و56% للمساهمين الأوروبيين الخاصين.

أدى التأميم إلى:

  • العدوان الثلاثي البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي في أكتوبر 1956م، الذي كُلِّل بانسحاب قسري تحت ضغط أمريكي وسوفيتي ودولي.
  • انتصار دبلوماسي ومعنوي هائل لمصر والقومية العربية.
  • تحوّل عائدات القناة بالكامل إلى الخزينة المصرية.

الاشتراكية العربية والتأميمات الكبرى (1961م)

في يوليو 1961م، أطلق عبد الناصر حزمة قوانين التأميم التي شكّلت الإطار الكامل للاشتراكية المصرية:

  • تأميم البنوك والشركات المالية والتأمين.
  • تأميم الشركات الصناعية الكبرى (أكثر من 150 شركة).
  • تحديد الحد الأقصى للدخل الفردي السنوي بـ 5,000 جنيه.
  • تحديد ساعات العمل ورفع الحد الأدنى للأجور.

أصبحت الدولة تسيطر على ما يزيد على 75% من الناتج الصناعي بحلول منتصف الستينيات.

التخطيط المركزي وخطط التنمية

استُلهمت التجربة التخطيطية المصرية من النموذج السوفيتي مع خصوصية مصرية:

الخطة الخمسية الأولى (1960 – 1965):

  • تضمّنت استثمارات ضخمة في التصنيع والبنية التحتية.
  • نمت الصناعة بمعدل سنوي بلغ نحو 9% خلال السنوات الأولى.
  • ارتفعت الطاقة الكهربائية المُنتجة ثلاثة أضعاف.

الفترة 1965 – 1970:

  • تباطأ النمو تحت وطأة هزيمة 1967 م وتعاظم الإنفاق العسكري.
  • تفاقمت الديون الخارجية التي وصلت إلى مليار ونصف المليار دولار.

السد العالي: رمز التحديث الاقتصادي

مثّل السد العالي في أسوان (أُنجز عام 1970م) أضخم مشروع اقتصادي في تاريخ مصر الحديث. بنته مصر بتمويل وتقنية سوفيتية بلغت تكلفته الإجمالية نحو مليار دولار.

إنجازات السد:

  • ضبط فيضانات النيل المتعاقبة التي كانت كارثية على الزراعة.
  • وفّر ريّاً منتظماً لنحو 2.85 مليون فدان إضافية.
  • أنتج ما بين 2,000 و10,000 ميغاوات من الكهرباء وفّر نحو نصف احتياجات مصر الكهربائية عند اكتماله.
  • أسهم في تطوير مشاريع التصنيع التي تستلزم طاقة كهربائية ضخمة.

تكاليف السد البيئية والاجتماعية:

  • تهجير نحو 100,000 نوبي من أراضيهم التاريخية.
  • حرمان الأراضي الزراعية من الطمي الطبيعي الخصب مما أدى إلى تراجع خصوبتها على المدى البعيد.
  • تآكل الدلتا وانحسارها أمام المياه البحرية.

الموارد البشرية والتعليم

أنفق النظام الناصري على التعليم المجاني وتوسيع الجامعات، واستوعبت الدولة خريجيها في القطاع العام. شكّل ذلك طموح الشريحة الوسطى، لكنه أسهم في وقت لاحق في تضخم الجهاز الحكومي ونظام الضمان الوظيفي الذي أثقل الموازنة العامة.

إشكاليات واختلالات

لم تخلُ التجربة الناصرية من إشكاليات هيكلية جوهرية:

  • الكفاءة الإنتاجية: أدى التأميم إلى ترهّل الإدارة وتراجع الإنتاجية في كثير من المؤسسات المؤمَّمة.
  • الإنفاق العسكري: استنزف الصراع مع إسرائيل (1956م، 1967م) موارد ضخمة، ووجّهت هزيمة 1967م ضربة موجعة للمعنويات وللمشروع الاقتصادي.
  • الاعتماد الخارجي: تحولت مصر من الاعتماد على الغرب إلى الاعتماد على الاتحاد السوفيتي دون أن تبني استقلالية اقتصادية حقيقية.
  • غياب الحوافز الخاصة: أضعف التأميم الشامل روح المبادرة والاستثمار الفردي.

الخلاصة

تُعدّ الحقبة الناصرية من أكثر الحقب جدلاً في تاريخ الاقتصاد المصري. فمن ناحية، حقّقت إعادة توزيع الثروة وبناء صناعة وطنية وتوفير تعليم وصحة مجانية لشريحة واسعة من المصريين. ومن ناحية أخرى، أرست نمطاً من التخطيط المركزي والدولة الموظِّفة الثقيلة خلّف اختلالات هيكلية مزمنة ظلّت تُلاحق الاقتصاد المصري لعقود بعد رحيل عبد الناصر.